أمام البيت كان رامز يدخل أغراضه للسفر وكان أحد أقاربه واسمه عدنان يتبادل معه الحوار ..
ـ عدنان : قلت لي ستسافر بعد الانتهاء من الدوام الرسمي لعملك ؟
ـ رامز : أجل .. مارأيك لو تسافر معي ؟ بالنسبة لي سأذهب لإحضار قطع الغيار المطلوبة ، وبالنسبة لك ستكون نزهة رائعة تقضي فيها أحلى الأوقات ..
ـ عدنان : سأفكر بشكل جدي في الموضوع وحتى ذلك الوقت ؛ سأكون قد قررت أحد الأمرين إما السفر معك أو قضاء الإجازة هنا في البلدة ..
وفي مقر العمل كان رامز والمدير واسمه : أسعد يتبادلان الحوار ..
ـ أسعد : هل عرفت مصدر البيع لقطع غيار الشاحنة ؟
ـ رامز: نعم يا استاذ أسعد ( اسم المدير ) إنه في المدينة الساحلية ..وهم يفتحون حتى في أيام الإجازات وبالتناوب ..
ـ أسعد : إنها مدينة تحتاج إلى يومان كاملان للسفر والاستراحة حيث أنها تبعد عن مدينتنا مئات الكيلو مترات .. طبعاً أنت ستذهب في وقت الإجازة الرسمية المقررة وبسيارتك الخاصة ؛ وأنا آسف بأنني كلفتك بالمهمة أنت بالذات ..
ـ رامز : لقد خيرتني في الذهاب أو عدمه يا استاذ : أسعد واخترت الذهاب برغبة مني ، لذلك لاتلم نفسك صدقني لو لم يكن لي رغبة بالسفر هناك لما قررت ذلك ..
ـ أسعد : بالتأكيد سنحسب لك تعويضك الذي تستحقه فكن مطمئناً ..
وأثناء العمل اليومي كانت توجد علاقة فاترة بين رامز وأحد زملائه في العمل واسمه واثق من على بعد وكأنهما كانا يشعران بعدم التوافق في العديد من الآراء ووجهات النظر بينهما ؛ خاصة عندما يتبادر إلى مسمعهما مايرجح هذا التوجه ؛ ربما ليسا في مجال العمل فحسب حتى في الخارج ومما ساعد على ذلك اختلاف وظائفهما وأدوارهما حتى في مكانتهما الوظيفية ؛ فرامز ليس إلا موظف عادي ولم تكن له فترة طويلة ؛هو فقط يعمل معهم منذ حوالي سنتان تقريباً ، وأما واثق فالوضع مختلف تماماً إنه رئيس لقسم مهم في هذه الشَّركة .. ومع ذلك لا يعلنان أي مشاعر تجاه بعضهما البعض سواء كان في الرأي أو وجهات النظر أو المشورة ؛ كل منهما يحتفظ بمشاعره المغايرة تجاه الطرف الآخر في قلبه ورغم هذا فكثيراً مايشاهدان بعضهما البعض فقط بمجرد نظرات مبهمة متبادلة ..
هذه كانت نبذة عن بعض الأحوال الشخصية الخاصة بصاحبنا رامز ضمن الوسط الذي يتعامل معه .. وفي هذا اليوم استمر العمل كما المعتاد ، وبعد عدة ساعات تلقى رامز مكالمة هاتفية من أحد أقاربه الذين تكلمنا عنه في بداية القصة وهو عدنان أخبره فيها أنه قرر الذهاب معه في هذا السفر .. سر رامز بهذا القرار وقال له : ستكون مرافقاً جيداً ومهماً لي في هذه الرحلة ..
وأثناء الرحلة يدور الحوار التالي بين رامز وعدنان ..
ـ عدنان : من ضمن مايعجبني فيك قيادتك الرائعة والسرعة النموذجية التي تتقيد بها دائماً يا رامز ..
ـ رامز : أشكرك على هذا الإطراء ..هذا لمصلحتي من الدرجة الأولى فما فائدة السرعة المتهورة التي تؤدي إلى مصائب لا يمكن احتمال آثارها المدمرة ؟! ..
ـ عدنان : متى تتوقع أن نصل إلى المدينة ؟!
ـ رامز : قطعنا نصف المسافة تقريباً وقد نصل في بداية الليل ..
ـ عدنان : وأين سنبيت ؟
ـ رامز : عندما نصل سنرى مكاناً مناسباً نبيت فيه ، وقد نستأجره في أحد الاستراحات ..
ـ عدنان : لست متعوداً أن أبيت في الاستراحات .. هل يمكن أن تبحث عن أحد المعارف والأصدقاء لكي نبيت معهم ؟
ـ رامز : الحقيقة لي صديق ، عندما أسافر هناك يصادفني وجوده وكان يعطيني مفتاحاً لأحد منازله الخالية لأقضي الليل والمبيت فيه وكان دمث الأخلاق معي إلى درجة لا يمكن وصفها ، ويطلب مني أن أتصرف في البيت كأنه ملكي تصور ولا يزعجني أبداً إلى أن أذهب إليه وأسلمه المفتاح ..
ـ عدنان : هذا شيء رائع .. لم لا نبيت الليل في منزله هذه المرة أيضاَ ؟!
ـ رامز : لا ! .. كيف ذلك ؟! كان ذلك منذ فترة والصدفة هي من تجمعنا .. لا أحب أن أثقل عليه ؛ هذا يسبب إحراجاً ، وربما تصرف في هذا المنزل فباعه أو أجره .. ثم إن لي من الكرامة وعزة النفس ما يمنعني من ذلك ..
واستمرا في الطريق حتى وصلا المدينة .. ثم دخلا إحدى المطاعم ليتناولا وجبة خفيفة للعشاء ، وإذ هما كذلك إذا الصدفة تجمع رامز بصديقه الذي أشار إليه أثناء الحوار السابق واسمه ناصر والذي كان يضيفه باستمرا وكان أيضاً ممن يرتاد هذا المطعم ورحب بهما كثيراً وكعادته عرض عليهما أن يعطيهما المفتاح ليناما في ذلك البيت المريح ، لكنهما رفضا ومع إصراره وإلحاحه المستمر وافق رامز على مضض وقال :
ـ رامز : في كل مرة آتي إلى هنا تسلمني مفتاح المنزل لكي أنام فيه واستريح وهذه المرة بالصدفة تلاقينا وأيضاً تسلمنا المفتاح لكي ننام في منزلك بدون مقابل وكأنك تريدني أن أكون مدين لك بالعديد من هذه الجمائل ؟!
ـ ناصر : يارجل أي جمائل من يسمع كلامك يصدقك !! ماذا سأخسر أنا ؟! المنزل خال وأنتما ستقضيان بعض الوقت فيه ، وياليتكما تمكثان ما طاب لكما من المكوث وسأكون سعيداً ، ولكنكما ستغادران عنه في صباح الغد للاسف الشديد ..
، وناما ليلتهما في ذلك المنزل المريح وبأثاثه الوثير ، وفي صباح اليوم التالي ذهب رامز ومعه عدنان إلى ناصر ليسلما له مفتاح المنزل ويشكرانه على ضيافته السخية لهما ..
ـ رامز : تفضل مفتاح المنزل يا صديقي الوفي .. لقد نمنا ليلة هادئة هانئة فيه حتى زال عنا تعب ومشقة الرحلة .. لن نوفيك حقك مهما أطريناك بعبارات الشكر والثناء والمديح ..
ـ ناصر : أكره هذا الثناءحقاً !! فلست أنا من يستحقه !
ـ رامز : تواضع منك !
ـ ناصر : أنا حقاً لا استحق هذا الثناء !! لأن هذا المنزل ليس لي في حقيقة الموضوع !!
ـ رامز : ماذا ؟!
ـ ناصر : ألم أخبرك ؟! إنه لإبن عمي واثق ..
ـ رامز : واثق ؟! من هو ؟!
ـ ناصر : واثق الذي يعمل معكم في الشركة ..
وهنا أصيب رامز بحالة من الذهول طرأت عليه وجحضت عيناه برهة محدقاً في وجه صديقه ناصر وكأنه غير مصدق !!
ـ ناصر : لماذا أنت مندهش هكذا ؟! حسب أوصاف الشركة التي ذكرتها لي فإنه يعمل معكم فيها رئيساً لأحد الأقسام هناك ، ولقد طلب مني أن أجهز المنزل لكما لكي تستريحا فيه ..
ـ رامز : آه ! .. هل طلب منك ذلك حقاً ؟!
ـ ناصر : لم يطلبه لكما أنتما بالتحديد بل لأي زائر محترم أو من معارفي أو أصدقائي ؛ لقد سمح لي بأن أتصرف بالمنزل على هذا النحو ؛ لم تكن لديه أي ممانعة على هذا الأساس ..
ـ رامز : آه !! .. هه ! .. إذن المنزل الذي قضيت فيه العديد من الليالي هو منزله ؟! ماذا أقول أنا أدين بهذا الجميل لمن ؟! لمن لا أتبادل معه إلا مشاعر مبهمة غامضة !!.. كيف سأنظر له من الآن فصاعداً ؟!
لن تكون مجرد مشاعر مبهمة كما كانت لقد اكتشفت متأخراً بأنني أدين له بالمبيت براحة في هذه الليالي المتكررة ..
وماذا قرر رامز بعد ذلك ؟ هل ذهب إلى واثق ليشكره على كرمه وتضييفه في منزله أم أنه سيترك المجال للأيام ليقدم له شكراً مناسباً يليق بشخص في مكانته ؟
وأثناء طريق العودة وبعد إنجاز المهمة والحصول على قطع الغيار للشاحنة الخاصة بالشركة التي يعمل بها رامز ؛ كان شغله الشاغل الحقيقة التي اكتشفها متأخراً فآثر أن يستشير عدنان الذي يعتبره إضافةً إلى قرابته أعز أصدقائه المخلصين ؛ وقد أخبره بمجمل تفكيره وشعوره تجاه زميله في العمل واثق وهنا دار الحوار التالي :
ـ عدنان : هل تعني بأنك لو لم تعلم بأنك تحل دائماً ضيفاً في منزل واثق لرفضت ذلك ؟!
ـ رامز : بالطبع ! إذ أن شعوري العميق تجاه ذلك الشخص واثق قد يكون شعور في محله لأننا غير متفقان في الكثير من الآراء ووجهات النظر وقد أكون مصيباً في البعض ؛ لكنه فتح منزله لاستضافتي بدون أن أعلم وربما هو أيضاً لا يعلم أو أنه غير مهتم إذ أن منزله مفتوح للعديد من الأصدقاء والزوار وقد كنت أحدهم ليس مرةً واحدة بل مرات عدة ؛ وهذه صفات كريمة من ضمن الصفات التي احترمها وأقدرها ..لكن لم أكن أحبذ ذلك .. سأحاول أن أرد له جميله هذا ، كرامتي لا تسمح لي بأن لا أرد له الجميل ..
ـ عدنان : ههمم ! .. لكن كيف ذلك ؟! هل ستذهب إليه وتعطيه مبلغاً من المال نظير تلك الليالي التي قضيتها ؟!
ـ رامز : لن يكون ذلك تصرفاً لائقاً ولا أضن أنه سيقبل بذلك ..
ـ عدنان : هذا صحيح .. خاصةً بأنه فتح منزله لك ولغيرك ..
ـ رامز : اشر عليَّ إذن ..
ـ عدنان : ههمم ! .. اسمع ! ـ حسب رأيي ـ أمامك خياران ..
ـ رامز: اسمعك .. قل ما لديك ..
ـ عدنان :الخيار الأول أن تذهب له مباشرةً وتشكره وبالتالي تفتح معه علاقة صداقة جدية ولا يهم فيها اختلاف وجهات النظر وتلك الأحاسيس الغامضة المبهمة واعتقد أنه انسان ناضج ومتفهم وسيقبل بصداقتك بالتالي تكون خطوت الخطوة الأولى وعندما تحين فرصة معينة تتمكن من رد الجميل له بشكل أو بآخر ..
أما الخيار الثاني فتترك المسأله للأحداث القادمة وتتحين الفرصة لرد الجميل ؛ خاصة بأنك ستكون متحفزاً ومهيأ لذلك ..
فكر رامز في كلام عدنان كثيراً بما قاله ولكنه لم يتمكن من تخير القرار المناسب .. وفي صباح اليوم الذي بدأ فيه الدوام الرسمي بعد انتهاء الإجازة الرسمية تقابل رامز وواثق بالصدفة في إحدى الممرات وهنا لم يتمالك رامز نفسه ونادى لواثق :
ـ رامز : استاذ واثق ؟!
ـ واثق : هه .. هل ناديتني يا استاذ رامز ؟!
ـ رامز : لقد سافرت اثناء الإجازة المدينة الساحلية وقد قضينا الليلة في منزلك ..
ـ واثق : منزلي ؟! ماذا تقصد ؟!
ـ رامز : المنزل الذي هيأته ليكون منزلاً للضيافة ؛ هذا ما اخبرني به ابن عمك ناصر ..
ـ واثق : الآن فهمت .. حسناً لا بأس أنا سعيد لأنك قضيت الليل هناك ..
ـ رامز : الحقيقة لم تكن المرة الأولى بل عدة مرات ..
ـ واثق : وماذا في ذلك ؟! أنت زميل طيب وتستحق كل خير ..وأنا راض تماماً لقد طلبت من ناصر أن يستضيف كل من يراه مستحقاً للضيافة وأنت تستحق لكنني لم اطلب منه أن يشير إلي ..لا أعرف لماذا فعل ذلك .. أنا اعتذر إن كان هذا سبب لك أي مضايقة أو إحراج ..
بهذه الكلمات التي تنم عن ذوق رفيع المستوى من استاذ مثل الاستاذ واثق كان يجيب على كل سؤال أو مداخلة من قبل زميله رامز بطريقة لائقة مهذبة ؛ مما فتح علاقة صداقة وطيدة بينهما من أوسع أبوابها وأحس كل منهما تجاه الآخر بأنه حتى ولو اختلف معه في بعض وجهات النظر والآراء لكنهما لهما العديد من القواسم المشتركة يكفي أنهما زميلان في العمل قد يتفقان في الكثير منها ، ومنذ ذلك الوقت لم يكن يهم رامز رد الجميل إلا من خلال تعميق الصداقة والاحترام المتبادل بين جميع زملائه وكذلك احترام وجهات نظرهم بصدر رحب ؛ واكتشف في واثق زميلأ متواضعا بصرف النظر عن منصبه ومكانته في محيطه العملي أو حتى بعض النقاط الذي لا يتفق معه بها والتغت تلك الصورة في مخيلته واصبحا من أعز الأصدقاء ................. تمت .
رغم التدقيق والحرص فإنه من الوارد الوقوع في بعض الأخطاء الإملائية أو اللغوية ؛ سهواً أو بدون قصد اعتذر عنها سلفاً ، كما أود أن أشير هنا أن جميع الأسماء الواردة في هذه القصة التي هي قصة افتراضية وهي وجهة نظر ؛ هذه الاسماء هي مجرد اسماء مستعارة وضعتها لخدمة مسار القصة بدون قصد أي اشخاص معيننين قد تتشابه مع اسمائهم ..