عندما تصبح العلاقة بين الجيران: صباح الخير يا جاري.. أنت بحالك وأنا بحالي كيف نشعر.. وكيف نتصرف؟(1)
السعودية : حاجز الخصوصية محفوظ مهما توطدت العلاقة بين الجيران
الرياض: شيماء إبراهيم، جدة: جمال عبد الخالق
«نحن والقمر جيران.. بيتو خلف تلالنا..» تأخذنا أغنية فيروز بصوتها العذب إلى الجيرة والجيران في حياتنا، حين كانت الجيرة بين الأُسر العربية ذات معنى يصل لحد القرابة بالدم، ولكن الحياة المدنية الحديثة، وتوسّع المدن العربية، وتطوّر وسائل الاتصال السريعة، غدت متهمة في كونها أدت إلى جفاء وجمود وفتور العلاقات بين الجيران، وحوّلتها لمجاملات يومية وعلاقات مناسبات، فهل هذا الاتهام صحيح؟ وإن لم يكن، فهل لا نزال نحظى بجيران زمان.. أم أن الفتور أصاب العلاقات فيما بينهم؟ هذا ما تعرفت إليه «سيدتي» في ملفها عن الجيران.
السعودية: حاجز الخصوصية محفوظ مهما توطدت العلاقة بين الجيران
يتعللون باختلاف الثقافات، فهم يخافون إن ألقوا حتى التحية ألا يبادروا بمثلها، لذلك ترى الإعلامية هناء الركابي، أن العلاقة تغيرت مع الجيران تغيرًا جذريًا للأسوأ، وترجع السبب لـ«رتم» الحياة السريع، الذي أدى إلى فتور العلاقات الاجتماعية، ولطبيعة المجتمع واختلاف الثقافة فيه وخوف الكثيرين من الاختلاط بغيرهم، وعن نفسها تتحدث الركابي قائلة: «تربطني علاقة طيبة جدًا بجارتي التي تقطن في الفيلا المجاورة لي، حتى إنني لو احتجت لشيء من حاجيات المنزل، أطلبه منها، كما أن ابنتي على علاقة وثيقة بابنتها التي تقاربها في العمر، وهذا يشعرني بالاطمئنان وقت الشدائد، أو وقت سفري»، وترى الركابي أن السر في نجاح علاقة الجيران يكمن في بقاء حاجز الخصوصية محفوظًا مهما توطدت العلاقة.
بينما الإعلامية نورة الشبل، ترى أن العولمة جعلت من الجيران مجرد جدار ملتصق بجدار، فهي تسكن في بيتها منذ 15 سنة، ولا تعرف من هم جيرانها، والمضحك أن هناك علاقة جيدة بين خادمتها وخادماتهم، وتعزو الشبل، سبب الجفاء إلى كثرة الضغوط على المرأة العاملة، وانهيار حاجز الثقة بين الجيران.
العزاء يجمعنا
أما المذيعة أماني السماوي، فكانت علاقتها بالجيران لا تقل أبدًا عن علاقات الأهل والأقارب، فألغت الحواجز، وحدثت مشاكل لا حصر لها، خاصة بين النساء، لدرجة الإيذاء، لذا قررت بعد زواجها أن تقصر علاقتها بجيرانها، تستدرك أماني: «لكن ذلك لا يمنع مساعدتهم أوقات الطوارئ والشدائد ومراعاة حقوقهم».
في حين أن مصممة الأزياء والإعلامية، هبة جمال، ترجع ظاهرة ضعف الروابط مع الجيران إلى المشاغل والتكنولوجيا الحديثة التي غيّرت في عاداتنا الاجتماعية، فحتى تهاني العيد أصبحت تقدم الآن عن طريق «المسجات» وعن علاقتها بجيرانها تقول: «ربما استنكر أحدهم موقفي لو ألقيت عليه السلام، وهناك نوع لا يسعنا إلا أن نقول عليهم: (الله يكفينا شرهم)، وللأسف فلربما مناسبات العزاء فقط هي التي تجمعنا بجيراننا»، وتوافقها الرأي خديجة محمد، موظفة، وتستغرب أي علاقة إلا في حالات التهاني أو التعازي.
قصص مفزعة تسببت بغياب التفاهم والتسامح والإلفة بين أغلبهم
اجتماع أسبوعي
علاقتي بجيراني علاقة ممتازة، ولدينا اجتماع أسبوعي يضم كافة سكان العمارة التي نقطن فيها، هذا ما أكّده عبد الخالق العمودي، مضيفًا أن العلاقة لا تقتصر على الرجال فقط، بل تتعدى ذلك لعلاقات أسرية، حيثُ تجتمع النساء والأسر في شقة، ويجتمع الرجال في شقة أخرى في ذات الوقت، ويرجع العمودي الجفاء الحاصل إلى اختلاف «العادات والتقاليد»، فأغلب سكان المدن من ثقافات مختلفة، وقد قدموا إلى المدن من أجل العمل، ففضّل الناس عدم الاختلاط بجيرانهم، أما رجل الأعمال، محمد العفيف، فيؤكد العلاقات الجديدة مع الجيران على نطاق ضيق، فقد كان يلتقي بجيرانه بشكل أسبوعي، لكن في ظل مشاغل الحياة ورغبة بعض الجيران في عدم التواصل، تباعدت اللقاءات، وأصبح كل واحد منهم مشغولا بهمومه.
بينما حسين أحمد، موظف بالبنك الأهلي التجاري بجدة، يؤكد أن الناس لم يعودوا يسألون عن أخلاق الجيران، ويفسر إحجامهم عن السؤال عنهم باقتناعهم أن العلاقة معهم لن تتعدى إلقاء التحية في أحسن الأحوال، ويعتبر حسين وجود الكثير من القصص المفزعة عن مشاكل الجيران بسبب غياب التفاهم والتسامح وعدم الألفة.
فرق شاسع
ولا يستغرب محمود السيد، موظف بشركة الغزالي للتجارة، الفرق الشاسع بين حال الجيران اليوم وحالهم في السابق، ويرجع الأمر كغيره إلى تراكم الهموم والمشاكل الحياتية اليومية، وتعدد البدائل التي يمكن أن يستغني بها الشخص عن جاره، ويضيف: «أحرص على علاقة طيبة مع جيراني، ولكن مشاغل الحياة لا تتيح للإنسان التواصل، فالكل مشغول، ومواعيد العمل مختلفة، ومتطلبات الحياة متسارعة، وهذا ساهم في أن تحل وسائل الاتصالات الحديثة محل المقابلات».
فيما يتذكر محمد عبد العزيز، موظف بالقطاع الخاص، أنه استأجر شقة لمدة سبع سنوات، ولم يعرف حتى اسم واحد من جيرانه طوال هذه الفترة!
بينما الدكتورة انتصار فلمبان، عضوة لجنة إصلاح ذات البين بهيئة حقوق الإنسان، تؤكد أن العلاقة المميزة التي كانت تربط بين الجيران في الماضي انهارت، مثلما انهار واختفى كل شيء أصيل من حياتنا بفعل الحياة العصرية ومشاغلها ومشاكلها، فأصبح المرء لا يجد وقتًا للتواصل وربط العلاقات، وإحياء العادات والتقاليد الأصيلة.
لا يخلو الأمر
المستشار القانوني بمدينة الرياض، عاطف الجاسم، بيّن لنا نسبة قضايا الخصومة بين الجيران وأهم أسباب حدوثها، حيثُ قال: «رغم أنها ليست كبيرة، لكن الأمر لا يخلو، حيثُ تتعدد الأسباب، كتعدي شخص على أملاك جاره، أو مضايقته والتعدي على حُرمة داره، أو حدوث مشكلة مشتركة يعجز الطرفان عن حلها بشكل ودي فيتم اللجوء إلى القضاء»، وعما إذا كانت نسبة القضايا تتعلق بمدى تقارب علاقة الجيران أو تباعدها يقول: «ليس للأمر علاقة، فالمعرفة والتقارب بين الجيران هي التي قد تصنع المشاكل بينهم، وهي التي قد تكون حائلا دون حدوثها، وكذلك عدم وجود علاقة بينهم قد يمنع وجودها وقد يشعل فتيلها إذا وجد السبب، فالفاصل هو وجود سبب للخلاف وكيفية تصرف الجيران إزاءه».